محمد بن محمد ابو شهبة
203
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وروى الواقدي بسنده عن عمر قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ما التفتّ يوم أحد يمينا وشمالا إلا وأراها تقاتل دوني » . وإن الإنسان ليدهش من هذه الشجاعة التي لا نكاد نجد لها مثالا في تاريخ الدنيا ، إن لهذه السيدة البطلة لتاريخا حافلا في باب الجهاد في الإسلام ، فقد ذكر ابن عبد البر في ترجمتها : أنها شهدت أحدا مع زوجها زيد بن عاصم وابنيها : حبيب وعبد اللّه ، وشهدت كذلك بيعة الرضوان ، وقد أبلت بلاء حسنا في حروب الردة . وكان مسيلمة الكذاب قد ظفر بابنها حبيب وهو مقبل من عمان إلى المدينة وأخذه أسيرا « 1 » ، فقال له : أتشهد أني رسول اللّه : فيقول : لا أسمع ، فيقول : أتشهد أن محمدا رسول اللّه فيقول نعم ، فيقطع منه عضوا ، وما زال يسأله ويجيب بما أجاب به حتى قطّعه إربا إربا ، ومات شهيد عقيدته مرضيا عليه من ربه ، وأبت عليه بطولته أن يداهن في موطن تجيز له التقيّة أن يوافق ما دام قلبه مطمئنا بالإيمان ، ولكن المؤمنين الأبطال يأبى عليهم إيمانهم الفذ إلا العزائم ! ! . ولما بلغها ما صنع الكذاب بحبيب عاهدت اللّه أن تموت دون مسيلمة ، فلما كان يوم اليمامة ذهبت إلى الصدّيق تستأذنه في الخروج ، فقال لها : ما مثلك يحال بينه وبين الخروج ، فقد عرفناك ، وعرفنا جرأتك في الحرب ، فأخرجي على اسم اللّه . فخرجت هي وابنها عبد اللّه ، وأصيبت يومها باثني عشر جرحا ، وفقدت يدا في هذا اليوم وكانت حريصة على قتل مسيلمة ، ولم يهدأ بالها حتى قابلها ابنها البطل عبد اللّه بن زيد الذي شارك وحشيا في قتل مسيلمة ، وسيفه يقطر دما من دمه ، فقالت له : أقتلته ؟ قال : نعم ، فسجدت شكرا للّه ، وعادت وقد فقدت في
--> ( 1 ) وذكر ابن عبد البر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد بعثه إلى مسيلمة الكذاب باليمامة ، ففعل به ما ذكرنا .